أزمة إدارة الإعلام والاتصال في البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية

يشهد سوق المال في مصر تحديات هيكلية ومؤسسية بالغة الدقة تتعلق بإدارة الملف الإعلامي والاتصال المؤسسي لكل من البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية (FRA).

 

وتتجسد الأزمة الجوهرية في الصراع المستمر بين ضرورة الإفصاح السريع وتوفير المعلومات بدقة للمستثمرين والصحافة المتخصصة، وبين بطء الإجراءات البيروقراطية والمركزية الشديدة التي تخضع لها دورات النشر والرد الرسمي.

برزت ملامح هذه الأزمة خلال الأشهر القليلة الماضية، مع التغييرات التي طالت قيادات المؤسستين، والفريق الإعلامي المصاحب والذي أحدث فجوة ظهرت بقوة علي الساحة الاقتصادية.

مظاهر الارتباك الإعلامي وفجوة الخطاب

 

تعاني إدارات الاتصال في المؤسستين أحياناً من فجوة واضحة بين “الخطاب الفني والقانوني المعقد” المعتمد في صياغة القرارات التنظيمية، وبين حاجة السوق لرسائل إعلامية مبسطة وسريعة تقطع الطريق على الشائعات.

 

وتبرز مظاهر هذا الارتباك في التأخر النسبي لإصدار البيانات التوضيحية الفورية للرد على الشائعات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ مثل الشائعات التي روجت مؤخراً لإغلاق فروع شركات التمويل غير المصرفي، أو الشائعات المرتبطة بتعديلات مفاجئة في قواعد التداول والهامش، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام البلبلة ويضر بسلوك المستثمرين الأفراد الذين يشكلون نسبة ضخمة من تعاملات السوق.

كما أن الفترة الماضية تم فتح ملف أموال التأمينات والمعاشات، وعودة الجدل بين الوزير يوسف بطرس غالي والوزيرة السابقة ميرفت التلاوي، وطالت البورصة دون أن يحرك مسؤولا ساكنا لتوضيح الصورة الذهنية للبورصة المصرية وأنها ليست صالة للقمار أو الخسارة المطلقة.

شكوى الصحفيين الاقتصاديين

 

تتصاعد هذه الأزمة بوضوح من خلال الشكاوى المستمرة للصحفيين الاقتصاديين والمتخصصين في ملف سوق المال من تراجع مستوى التواصل المباشر مع إدارات الإعلام بالمؤسستين.

 

يرى الصحفيون أن العلاقة تحولت في كثير من الأحيان من “شراكة استراتيجية لنشر الوعي المالي” إلى سياسة تعتمد على التحفظ المبالغ فيه، والبطء في الرد على الاستفسارات الصحفية، أو فرض قيود بيروقراطية تحول دون الحصول على المعلومة الدقيقة في توقيتاتها المناسبة.

 

هذا التعنت أو التباطؤ يدفع الصحافة أحياناً للاجتهاد، بينما يفقد السوق بوصلة التوضيح الرسمي الفوري.

الهياكل القيادية والإدارية وخطوط التواصل

 

على صعيد القيادات المسؤولة عن هذا الملف الحيوي، يبرز دور محمد العزاوي في إدارة قطاع الإعلام بالبورصة المصرية، وهو وإن كان صاحب سي في مرموق، إلا أنه لا يمتلك الخبرة الكافية في أمور البورصة وإداراتها المتشعبة والتواصل مع صحفيين سوق المال المتخصصين والباحثين دوما عن الأرقام والإحصائيات.

وسبق الغزاوي، محمد نصر الحويطي الصحفي المخضرم في سوق المال بخبرة أكثر من 30 عاما، سواء في عالم الصحافة أو البورصة،  والذي بدأ ببرنامج مكثف وخطة لتطوير قطاع الإعلام ثم سرعان ما اختفي عن المشهد، فضلا عن علياء صادق، التي حلت ضيفا خفيفاً علي إدارة الإعلام بالبورصة ثم سرعان ما انتقلت لقاطرة الهيئة العامة للرقابة المالية لتكون الواجهة الإعلامية للدكتور إسلام عزام في منصب يثير العديد من علامات الاستفهام.

و تتجاوز تداعيات الارتباك الإعلامي حدود البورصة لتلقي بظلالها على القطاعات المرتبطة بالرقابة المالية ككل، وعلى رأسها الاتحاد المصري للتأمين والذي تديره  هديل عبد القادر، الأمين العام للاتحاد المصري للتأمين شؤون العلاقات العامة والتواصل المؤسسي.

 

حيث يغيب التنسيق الاستباقي السريع بين المركز الإعلامي للهيئة والاتحاد المعني لتوحيد الرسالة الإعلامية وطمأنة الرأي العام، مما يترك الفراغ للمعلومات المغلوطة ويضاعف من حجم الضغوط على الكيانات الاقتصادية العاملة في السوق.

 

وعلى الرغم من الجهود المبذولة لضبط الإيقاع الإعلامي، إلا أن المركزية الإدارية وطول الدورات المستندية للموافقات الرسمية تظل عائقاً أمام الاستجابة اللحظية التي تتطلبها طبيعة الأسواق المالية التي تعمل “بالثانية”.

التقاطع مع قرارات لجنة القيد وضبط السوق

 

لا تقتصر أزمة الاتصال على تداول الشائعات فحسب، بل تمتد لتشمل كيفية تسويق وشرح القرارات التنظيمية الصارمة؛ مثل التعديلات الواسعة التي شهدتها قواعد لجنة القيد بالبورصة، وتفعيل المادة الخاصة بمواعيد الإفصاح المالي وتوقيع التزامات مالية وغرامات مشددة على الشركات المخالفة.

 

إن غياب الحملات الإعلامية الاستباقية الموجهة لتفسير هذه القرارات يحولها أحياناً في نظر السوق إلى إجراءات عقابية بحتة بدلاً من كونها أدوات لإحكام الرقابة وحماية حقوق المتعاملين.

 

آفاق الحلول والخروج من دائرة الارتباك

 

للتغلب على أزمة إدارة الإعلام في البورصة والهيئة، بات لزاماً الانتقال من استراتيجية “رد الفعل المتأخر ونفي الشائعات” إلى “استباق الأحداث بالشفافية المطلقة”.

ويتطلب ذلك تفعيل غرف أزمات إعلامية متخصصة تعمل بالتوازي مع جلسات التداول، وبناء جسور شراكة حقيقية مع الصحافة الاقتصادية، مع التوسع في استخدام الأدوات الرقمية الحديثة والإنفوجرافيك لبث المعلومات الرسمية والمبسطة فور صدورها، بما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم مناخ الاستثمار المالي في مصر.

ولا يزال الملف مفتوحا فهناك تعيينات في الفترة الأخيرة في البورصة تحديدا تثير العديد من علامات الاستفهام يتناولها موقع الصندوق الاقتصادي بالمستندات في تقارير لاحقة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى