غالي يبرر دخول أموال المعاشات في البورصة بعد 15 عاما من الغياب

الصندوق الاقتصادي 

بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، عاد الدكتور يوسف بطرس غالي إلى المشهد المصري ليفتح من جديد ملفاً لم يغلقه الزمن؛ قضية أموال التأمينات والمعاشات.

 

هذه العودة لم تكن مجرد ظهور إعلامي، بل كانت محاولة لإعادة صياغة “رواية الإنقاذ” التي يتبناها، في مواجهة شهادات حية وموثقة، على رأسها شهادة الدكتورة ميرفت التلاوي، التي تضع أيدينا على جانب آخر من الحقيقة.

بين “صانع السوق” و”الحارس للأموال”

 

يرتكز دفاع د. بطرس غالي على منطق اقتصاد السوق؛ حيث يرى أن ضخ أموال التأمينات في البورصة في أواخر التسعينيات كان “ضرورة سيادية” لإنقاذ الاقتصاد المصري من تبعات أزمات الأسواق الناشئة، مؤكداً أن تلك الأموال لم تتبدد بل حققت عوائد سنوية بلغت 23%.

على الضفة الأخرى، تأتي شهادة د. ميرفت التلاوي لتنسف هذا المنطق من جذوره.

هي لا تتحدث عن أرقام البورصة، بل عن “مبدأ الرقابة” وحماية أموال الملايين.

تؤكد التلاوي أنها قاومت ضغوطاً مستمرة لإقحام أموال المعاشات في البورصة، معتبرة أن تلك الأموال لها طبيعة خاصة لا تحتمل المخاطرة في سوق كان يفتقر وقتها للقواعد والرقابة التي تضمن حماية “قوت أصحاب المعاشات”.

 التأمينات رهينة للموازنة

لم يتوقف الصراع عند حدود البورصة، بل امتد ليتوج في عام 2006 بدمج الحسابات المالية لصناديق التأمينات ضمن الموازنة العامة للدولة.

 

هذا الإجراء، الذي قدمته وزارة المالية حينها تحت شعار “الإدارة الأكفأ”، يراه الكثير من الاقتصاديين اليوم “اللحظة التاريخية” التي فقدت فيها أموال المعاشات استقلاليتها، لتتحول من مدخرات للأجيال إلى أداة لتمويل عجز الموازنة، مما ولد مديونية ضخمة أثقلت كاهل الدولة لسنوات.

تركة الـ 45 تريليون

إن اتفاق فض التشابكات المالية الموقع في 2019 ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو اعتراف رسمي بحجم المأساة التي تراكمت عبر العقود. التزام الخزانة العامة بسداد 45 تريليون جنيه على مدار 50 عاماً هو دليل قاطع على أن تلك الأموال لم تكن مجرد أرقام استُثمرت، بل كانت حقوقاً حُرم أصحابها منها لسنوات، لتدفع الدولة اليوم أقساطاً سنوية بزيادة مركبة (5.9%) لتصحيح مسار السياسات الماضية.

صدام التصريحات

إن الصدام بين رؤية د. بطرس غالي ود. ميرفت التلاوي هو صراع بين “المنطق المالي البارد” الذي يرى في الأموال أدوات للتحكم في السوق، وبين “المنطق الاجتماعي” الذي يضع أمن الملايين فوق أي حسابات أخرى. وبينما تستمر الدولة في سداد ديون تلك الحقبة، تظل حكاية أموال المعاشات درساً قاسياً بأن السياسات التي تتجاهل البعد الاجتماعي، حتى وإن تجمّلت بمبررات الإنقاذ الاقتصادي، ستظل تحمل أعباءها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى