السادة المستشارون وصاحبة الجلالة

بقلم: أحمد عادل

 

مرت الصحافة المصرية فيما مر من عمرها بعدة مراحل شكلت مسيرتها، لقد بدأت مقامية فمقالية فخبرية وأخيرا ترندية مهلبية، لعبة في أيدي رواد السوشيال ميديا، ولكل مرحلة من مراحلها سماتها التى تميزها.

كانت الصحافة المقامية التى ظهرت بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تستند إلى نصيب وافر من الأدب، كانت أشبه ما يكون بقطع أدبية مزخرفة بروائع السجع والبيان، من يطالعها يظن أنها بقية من مقامات الحريري أو الهمذاني، ولعل أشهر روادها في تلك المرحلة عبد الله النديم ومحمد المويلحي ومصطفى لطفى المنفلوطي.

أما الصحافة المقالية، فكان يمثلها قلة من كتاب المقال البارعين، كانت مقالاتهم كفيلة بسن قوانين وإلغائها وتنصيب وزارات وعزلها، وكان كتاب المقالات يستندون في تلك المرحلة إلى شبكة علاقاتهم المرتبطة بدوائر صناعة القرار، ورجال السياسة والمال والإعلام ومجتمعات أهل الثقافة والفن، وكان أمير الصحافة العربية محمد التابعى المثال الأبرز لتلك المرحلة.

ومع الوقت احتاج الناس إلى جديد الأخبار، لاسيما تلك الأخبار المتعلقة بمصالحهم والمرتبطة بالخدمات الحكومية، فظهرت صحافة الخبر ليطالع الناس جديد الحكومات وأخبارها على أوراق الصحف، وهنا ظهر مراسلون الصحف في الوزارات والمحافظات بشكل أكبر، وقد دفع الأستاذ هيكل في الأهرام والأخوان مصطفي وعلي أمين في الأخبار تلك الصحافة إلى الأمام قدما.

لكن الأستاذ هيكل تحديدا، هو من رسخ لفكرة الصحفي الموظف على نحو واسع، فعين مراسلا صحفيًا لدى كل وزارة لينقل جديد أخبارها أولا بأول، وهذا ما أدى إلى تغلغل هؤلاء المراسلين في مفاصل تلك الوزارات وقطاعاتها، وأمسكوا بمفاتحها وكونوا علاقات وطيدة بمسئوليها، وعلموا من أخبارها ما لم يعلمه الوزراء أنفسهم، وكونوا روابط المراسلين داخل الوزارة الواحدة يتزعمها في الأغلب مراسل الأهرام أو الأخبار، ومع الوقت تحول الصحفى من مندوب لدى الوزارة إلى موظف فيها، يُدرج اسمه في كشوف مكافآتها ويسافر في الخارج ضمن وفودها، وبات ينظر إليهم على أنهم رجال الوزارة الأقوياء.

بمرور الوقت تحول المراسل من الصحفى الموظف لدى الوزارة الذي يتابع أخبارها إلى سيادة المستشار، حين قام العديد من الوزراء بتعيين الكثير من المراسلين كمستشارين إعلاميين ومتحدثين رسميين باسم الوزارات، بالطبع كان الأستاذ هيكل في الصدارة والطبيعة دائما فقد كان رئيسا لتحرير الأهرام ومستشارا سياسيا لعبد الناصر وكاتبا لخطاباته ووزيرا للإعلام، وكان مُجيدا في كل ذلك، يعرف ما الذي يرضاه الحاكم والمحكومين، وطالع الجميع الأخبار على صفحات الأهرام، وتلقفوا مقاله “بصراحة” بشغف واهتمام بالغين.

لكن الهدف الأساسي لتعيين المراسل الصحفي داخل الوزارة سرعان ما تلاشى وتبخر، وانغمس العديد من المراسلين – إلا ما رحم ربي- في غمرة تخليص المصالح والحصول على السبابيب، بل وبات الكثير من هؤلاء المراسلين الذين أصبحوا مستشارين يمثلون سلطة داخل الإصدار الصحفي لا يجرؤ حتى أعتى رؤساء تحرير الصحف على منازلتهم أو زحزحتهم أو مجرد الاقتراب منهم، خاصة لو كانوا مراسلين داخل وزارات ومؤسسات وهيئات قوية، فهم على كل قادرون على إنجاز المصالح وفي نفس الوقت يُخشي جانبهم لما يملكونه من علاقات واتصالات، وبالتالى أُبيح لهم كل شئ، لا يحضرون ولا يعملون ولا يسئلون عن شئ، نالوا الرضا من كل أبوابه، ويحصلون على أعلى التقييمات وجزيل الحوافز والمكافآت، خاصة أن هناك الكثير من الشغيلة في الإصدارات ممن يعملون بضمير وتفان، وبالتالي هؤلاء وحدهم هم من يحاسبون على كل شئ ويقومون بكل شئ، والويل لهم إن أخطأوا، ولا شكر على ما فعلوا فهم يؤدون واجبهم، ولا شكر على واجب.

ومع كل تغيير وزاري، يقوم السادة المستشارون في الوزارات بكسب ود الوزير الجديد كل حسب مهارته، المهم هو أن يكون الوضع كله في قبضة يدهم، أو كما قال لي البعض أن يكون الوزير في جيبه، وترى السيد المستشار زنهار في وزارته يعمل كالدينمو بكل كد وجد من أجل الحفاظ على السبوبة، ولا يأتي لعمله إلا في يوم القبض أو على استحياء في المواسم، وحين يواجه بذلك، يقول لقد أديت ما علي بحق الإصدار وتعبت كثيرا، وجاء الوقت ليتفهم الإصدار طبيعة منصبه الجديد، فكما قدم للمكان، على المكان أن يراعي وضعه!.

ولا عجب بعد ذلك أن يمتلك الوزير مستشارا أو اثنين، أو حتى ٢٢ مستشارا كقائمة المنتخب في المونديال!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى