مواجهة الوجود.. آخر تطورات الأزمة المائية بين مصر وإثيوبيا

شهدت الأزمة المائية بين مصر وإثيوبيا تحولاً دراماتيكياً ونقطة تحول غير مسبوقة، بعدما أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية الدبلوماسي المصري أحمد محرم “شخصاً غير مرغوب فيه” وأمهلته 48 ساعة لمغادرة أراضيها استناداً لاتفاقية فيينا.
وفي رد فعل سريع يعكس صرامة الموقف المصري، ردت القاهرة في اليوم نفسه بإمهال مستشار السفارة الإثيوبية المهلة ذاتها لمغادرة البلاد إعمالاً لمبدأ المعاملة بالمثل.
جاء هذا التصعيد الدبلوماسي الحاد أعقاب تصريحات متلفزة لقائد الجيش الإثيوبي اتهم فيها مصر والسودان وقوى خارجية بتقديم دعم عسكري وميداني للقوات التي تخوض مواجهات ضد جيشه. وهي الادعاءات التي سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي إلى تفنيدها ودحضها بالكامل، مؤكداً أن سياسة القاهرة ثابتة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وأن تلك الاتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة. ولم تتوقف الشظايا الإقليمية عند هذا الحد؛ إذ أقدمت أديس أبابا بالتزامن على طرد 10 دبلوماسيين إريتريين وإغلاق سفارتها في أسمرة، ما دفع إريتريا إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا فوراً.
صراع الوجود المائي: السدود الإثيوبية تهدد سلة غذاء مصر
تأتي هذه التطورات العاصفة لتعمق الخلاف التاريخي حول مشروع “سد النهضة” الواقع على مجرى نهر النيل، الذي يعتمد عليه الشعب المصري لتوفير أكثر من 95% من احتياجاته من المياه العذبة.
وفي الوقت الذي واصلت فيه القاهرة التمسك بالمسار الدبلوماسي لسنوات طويلة، افتتحت إثيوبيا السد رسمياً في 9 سبتمبر 2025 لإنتاج 5.15 ألف ميجاوات من الكهرباء، متجاهلة التخوفات المصرية والسودانية والاتفاقيات التاريخية المبرمة عامي 1929 و1959.
وتزيد هذه الأزمة من وطأة الضغوط المائية على مصر، التي تقبع بالفعل تحت خط “الشح المائي المطلق”؛ حيث تراجعت حصة الفرد السنوية إلى نحو 472 متراً مكعباً مقارنة بالحد الأدنى العالمي (500 متر مكعب). وتشير الدراسات والأرقام الرسمية إلى فجوة مائية حادة بين الإمداد المتجدد البالغ 56.8 مليار متر مكعب والاحتياج السنوي المقدر بـ 123 مليار متر مكعب، مع تحذيرات علمية من خطر فقدان ما بين 18% إلى 67% من الأراضي الزراعية في الدلتا. وتزداد المخاوف مع إعلان إثيوبيا مؤخراً عن خطط لبناء 3 سدود جديدة هي (كارادوبي، مندايا، وبيكو أبو) لإحكام سيطرتها على تدفقات النهر.
الرد الاستراتيجي: الخط الأحمر المصري وقمة القرن الأفريقي
في مواجهة هذه التهديدات الوجودية، حسمت الدولة المصرية موقفها بوضوح؛ إذ أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي عقب اجتماع رئاسي أن مصر لن تقبل مطلقاً بإنشاء أي سدود جديدة أو تكرار فرض الأمر الواقع، مجدداً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة احتفاظ مصر بحقوقها كاملة بموجب القانون الدولي لحماية أمنها المائي.
وعلى الصعيد الإقليمي، احتضنت مدينة العلمين الجديدة قمة رباعية حساسة جمعت القادة المصري والإريتري والصومالي والقائد العام للجيش السوداني. وأصدر القادة إعلاناً مشتركاً يشدد على ضرورة احترام القانون الدولي المُنظّم للأنهار العابرة للحدود ورفض أي إجراءات أحادية تضر بدول المصب.
كما اتفق القادة على تأسيس آلية متابعة دورية والتأكيد على أن حوكمة البحر الأحمر هي حق أصيل حصري للدول المشاطئة له، في رسالة إقليمية شديدة اللهجة تطوق المخططات الإثيوبية وتؤكد أن الأمن المائي لمصر والسودان خط أحمر لا يقبل المساومة



